محمد أمين الإسترآبادي / السيد نور الدين العاملي

464

الفوائد المدنية والشواهد المكية

الحكمة خرج من باب العبث وإذا كان له وجوه أُخر كان يجوز أن يقصد ، وليس كذلك الفعلان ، لأنّه إذا قصد وجه الحكمة في أحدهما بقي الآخر خالياً من ذلك وكان عبثاً ، وليس كذلك الفعل الواحد على ما بيّنّاه . فإن قيل : الانتفاع بالاعتبار بالطعوم لا يمكن إلاّ بعد تناولها ، لأنّ الطعم ليس ممّا يدرك بالعين فينتفع به من هذه الجهة ، فإذاً لابدّ من تناوله حتّى يصحّ الاعتبار به . قيل : الاعتبار يمكن بتناول القليل منه وهو قدر ما يمسك الرمق ويبقى معه الحياة ، وقد بيّنّا أنّ ذلك القدر في حكم المباح ، وليس الاعتبار موقوفاً على تناول شيء كثير من ذلك . ويمكن أن يقال أيضاً : إنّه يصحّ أن يعتبر بها إذا تناولها غير المكلّف من سائر أجناس الحيوان ، فإنّه إذا شاهد أجناس الحيوان تتناول تلك الأشياء ويصلح عليها أجسامها أو ينفسد بحسب اختلافها واختلاف طبائعها جاز معه أن يعتبر بذلك وإن لم يتناولها المكلّف أصلا . وبمثل هذا أجاب المخالف من قال : نحن لا نفرّق بين السموم والأغذية ، بأن قال : يرجع إلى حال الحيوانات الّتي ليست مكلّفة إذا شاهدها يتناول أشياء ينتفع بها جعل ذلك طريقة إلى تجربته ، فإنّ ذلك ممّا ينصلح عليه أيضاً جسمه . وذلك مثل ما أجبنا به عن السؤال الّذي أوردوه في هذا الباب واستدلّوا أيضاً بقوله تعالى : ( قل من حرّم زينة الله الّتي أخرج لعباده والطيّبات من الرزق ) ( 1 ) وبقوله عزّ وجلّ : ( أحلّ لكم الطيبات ) ( 2 ) وما شاكل ذلك من الآيات . وهذه الطريقة مبنيّة على السمع . ونحن لا نمتنع من أن يدلّ دليل السمع على أنّ الأشياء على الإباحة بعد أن كانت على الوقف ، بل عندنا الأمر على ذلك وإليه نذهب ، وعلى هذا سقطت المعارضة بالآيات . واستدلّ كثير من الناس على أنّ هذه الأشياء على الحظر أو الوقف ، بأن قالوا : قد علمنا أن التحرّز عن المضارّ واجب في العقول ، وإذا كان ذلك واجباً لم يحسن منّا أن نقدم على تناول ما لا نأمَن أن يكون سمّاً قاتلا فيؤدّي ذلك إلى العطب ، لأنّا لا نفرّق

--> ( 1 ) الأعراف : 32 . ( 2 ) المائدة : 4 .